Wednesday, November 24, 2004

الابعاد النفسية للطوطمية في الادب................د.محسن الرملي


الأبعاد النفسية للطوطمية في الأدب - د.محسن الرملي - كاتب عراقي مقيم في مدريد
إذا كانت الدراسات النفسية للأدب تعتبر قليلة بشكل عام علي الصعيد العالمي، فلنا أن نتصور مقدار نقصانها في ثقافتنا العربية، علماً بأن ميدان الدراسات النفسية للأدب ذاته يتشعب إلي كثير من الفروع والتفاصيل، التي من بينها التحليل النفسي لدلالات الرموز الطوطمية في النصوص وهي أيضاً تتعدد بمثابة منافذ لرؤية جوانب مختلفة منها السياسي والاجتماعي والاقتصادي والفني والإيروتيكي وغيرها.وهنا، بالطبع، لا نعني بـ(الطوطمية) المذهب الذي عُرف بين قبائل الهنود الحمر قديماً في أمريكا الشمالية القائم علي تأليه طوطم يمثله حيوان أو نبات باعتباره أصل الحياة في معتقدهم، وإنما نقصد نماذج الطوطم المتعارف عليها في جل الثقافات بشكل عام، والمتجسدة في أشياء ودمي وتمائم رمزية وغيرها يتفاءل بها البعض أو يتشاءم، ويربطها نفسياً بدلالات غيبية أو تنبؤية وما إلي ذلك..وداخل هذا الإطار الأخير تأتي دراسة الأكاديمي الإسباني الدكتور رافائيل كابانياس آلامان Rafael Cabanas Alaman النظرية والتطبيقية علي أعمال أحد رموز الأدب الأسباني في القرن العشرين، الروائي رامون غوميث دي لاسرنا بعنوان (الطوطمية والتوقُّع في روايات رامون غوميث دي لاسرنا Fetichismo y Perversion en la novela de Ramon Gomez de la Serna) حيث تقوم هذه الدراسة، النادرة في مجالها، بفك تشابك الخيوط المعقدة وإضاءة الكثير من الجوانب الخفية للعقد النفسية للشخصيات وبالتالي التوصل إلي بلورة فهم أعمق للذهنية العامة لعصرها باعتبار الأدب شاهداً علي عصره، وقد عمد آلامان تركيز دراسته علي أهم أربعة روايات فقط من أعمال دي لاسرنا وهي: (الأرملة البيضاء والسوداء/ الحب الغريب لامرأة غريبة) 1921، (الفندق الكبير) 1922، (شاليه الأزهار) 1923، و(ريبيكا) 1937 منبهاً إلي أن الأعوام التي كُتبت فيها هذه الروايات الأربع كانت حافلة ببدايات دخول الدراسات النفسية إلي إسبانيا والانتشار الفاعل لترجمة نظريات وأعمال فرويد التي تم تلقيها بتفاعل كبير وخاصة من قبل النخبة المثقفة وبالتالي انعكاس هذا التفاعل والحماس علي النتاج الأدبي لتلك المرحلة.ورامون غوميث دي لاسرنا (1888 ـ 1963) هو بلا شك أحد أهم الأسماء، من تلك النخبة، الثقافية الإسبانية في النصف الأول من القرن العشرين ومن الذين عُرفت لديهم النزعة الحداثوية في بدايات ظهورها في الأدب الإسباني المعاصر ومن الطليعيين في الاهتمام برسم العمق للشخصيات إلي جانب الاهتمام بالجمالي اللغوي. لذا فإن قيام الدكتور رافائيل باختياره كنموذج للدراسة يعني بالتالي التعرف علي ملامح مرحلة بكاملها شاركت بالتأسيس للثقافة الإسبانية المعاصرة حتي يومنا هذا.تنبهنا هذه الدراسة أيضاً إلي أنه وعلي الرغم من أن الطوطمية مظهر قديم من مظاهر السلوك الإنساني إلا أنها تعود الآن بأشكال وصيغ مختلفة ومعاصرة قد لا تكون مفهومة مباشرة علي أنها طوطمية لكن تأملها وتحليلها سيكشف لنا مدي علاقتها بها، ومن ذلك مثلاً ما نجده من سلوكيات الإنسان المعاصر التي تنحو إلي الهوس بالتفاصيل، الاهتمام المفرط بتجميع الأشياء عموماً، ثم تجميع سلاسل خاصة من أشياء بعينها، كالطوابع، العملات النقدية، الساعات، الدمي، الأربطة، القداحات، الخرز،اللوحات، نوع من الثياب، نوع من العُلَب، نوع من الأواني،.. وغيرها من أشياء بذاتها. صيغ الجرائم، خلق الرموز الدعائية، والتحييد المتواصل والمتفاقم لما هو إنساني لصالح الشيء أو الهدف الجنسي أو التشبه بالمصنوع من دمية وآلة ورموز سينمائية وميثولوجية كما هو حاصل مع المرأة التي يتم استدراجها لتتشابه بنماذج بعينها من الموديلات وتماثيل الآلهة وشخصيات الحكايات والأشياء.. وغيرها.وتأتي أهمية هذه الدراسة أيضاً من حيث أنها تسعي للتطبيق العلمي (وخاصة علم النفس) علي النصوص الأدبية، أمر يغري القارئ بفتح أفق أوسع وأكثر جدية للتعامل مع المُنتَج الأدبي، كما يدفعه للمزيد من الرغبة للاطلاع علي بقية أعمال لاسرنا ومعاصريه، وبالتالي فهم عصره بشكل أفضل، الأمر الذي يؤدي بدوره إلي توظيف آلية التلقي عبر هذا الفهم للتعرف علي العصر الآني للقارئ حيث ستمنحه، دراسة من هذا النوع، ما يشبه المنهجية لتحليل ما يتلقاه.يشتمل الكتاب علي ستة فصول، يتم تخصيص الأول منها لتحديد تاريخ مصطلح (الطوطمية) وتوظيفه في الأدب، وتقصي الأصل التاريخي للطوطم عبر مصادره الثلاثة: الدينية والخرافية والجمالية، ثم إضاءة العلاقة بين الطوطمية وعلم النفس. فيما تأتي الفصول اللاحقة الأربعة تطبيقية تفصيلية، كل فصل عن رواية، وفي تناول كل رواية يرتئي رافائيل أخذ كل شخصية مستقلة علي انفراد وتحليلها نفسياً بما في ذلك شخصية الراوي، ويتم التركيز أيضاً علي استشفاف الأبعاد والدوافع الجنسية لطبيعة تعامل هذه الشخصيات مع الطوطم. وبعد ذلك تتم دراسة طبيعة العلاقات بين هذه الشخصيات فيما بينها ومن ثم علاقتها بمؤلفها ثم علاقة مؤلفها بعصره، لذا يكون الفصل الأخير شاملاً عن الطوطمية في إسبانيا وأوائل الكتاب الأسبان الذين تناولوا الطوطمية بشكل عام ومن ثم ما تمت الإشارة إليه من قبل هؤلاء إلي وجودها الفاعل في أعمال دي لاسرنا. وهكذا تكشف هذه الدراسة عن ريادة مهمة لدي لاسرنا في الاشتغال النفسي المركَّب في الأدب الإسباني، ومن ناحية أخري تضيف خطوة جادة إلي الخطوات القليلة في ميدان الدراسات النفسية للأدب الإسباني بشكل خاص وفي الأدب العالمي بشكل عام. وبالتأكيد سنجد لفرويد الحصة الأكبر كمصدر أولي لدراسة من هذا النوع تقل مصادرها كلما تركزت علي زاوية بعينها كالدلالات الإيروتيكية النفسية للطوطم، وتجدر الإشارة هنا إلي أن من بين الدراسات القليلة لهذا الأمر هي التي كتبها الروائي البيرواني المعروف فارغاس يوسا حول الطوطمية عند فلوبير.يعمد الدكتور رافائيل أيضاً إلي إرفاق دراسته بصور مختلفة لنماذج متنوعة من التماثيل الصغيرة والرسومات والدمي (خاصة الدمي الشمعية التي كان لاسرنا مولعاً بجمعها) والتمائم وهيئات لقديسين ولوحات استوحت الخرافي وغيرها، مما يحمل دلالات في الذهنية الشعبية الإسبانية كونه مرتبط بالميتافيزيقي أو السحري والغيبي، حيث قام بالتقاط صور واضحة وتوضيحية لهذه النماذج مما عثر عليه في المتحف الإقليمي لمدريد، وهو وإن كان يستعين بها للتوضيح إلا أنه في الوقت نفسه اتخذ منها صيغة إغراء للقارئ وهو يقوم بمجاورتها بالتحليل النفسي المعقد لسبر أغوار الشخصيات في أدب لاسرنا وبالطبع رابطاً كل ذلك في تبيان المناخ العام للذهنية الإسبانية تجاه هذا الجانب (الطوطمي) في الثقافة العامة، ومن ثم وجهته الخاصة وتوظيفها عند النخبة المثقفة.تجدر الإشارة إلي أن الدكتور رافائيل كابانياس مازال يواصل مشروعه في الاستكناه النفسي الخاص للأدب، وهو يعمل حالياً كأستاذ للغة والأدب الإسبانيين في جامعة سان لويس الأمريكية في مدريد Saint Louis University بعد أن أنهي دراسته في جامعة بوسطن، وله الكثير من الدراسات والمشاركات في المؤتمرات داخل إسبانيا وخارجها، تتركز جلها حول الأدب الطليعي، إضافة لما يقوم به من ترجمات أدبية منتقاة من الإنكليزية إلي الإسبانية وعمله في تقنيات ومنهجيات تعليم اللغة الإسبانية حيث حاز علي جائزة بهذا الشأن من بوسطن سنة 1996.وأخيراً نتمني أن يشكل ما ذكرناه هنا حافزاً إضافياً نحو تحريك جانب من دراساتنا وقراءاتنا لأدبنا العربي إلي تعزيز البحث والتحليل للجوانب النفسية ومنها تلك الرموز الخفية وراء الطوطم في النصوص وخاصة أن ثقافتنا الشرقية ثرية جداً بهذا الميدان الذي مازلنا نجد حضوره الفاعل في تفاصيل تقاليدنا الشعبية وحياتنا اليومية. AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1977 Date 26/11/2004جريدة (الزمان) --- العدد 1977 --- التاريخ 2004 - 11 -26

No comments: