Saturday, April 15, 2006

من ياتي بك ايتها المدينه؟.........مهدي النفري

من ياتي بك ايتها المدينه ؟
من ياتي بك ايتها المدينه إلي في هذه اللحظه؟
كلام تلو الاخر
ياخذني ويعود بي
من محطة إلى اخرى
شوارعك ووجوه ابناءك يتقدمونني اينما حلت لي خطوه
واينما كانت هناك اسنراحة للبدء من جديد بالمسير إليك
لياليك التي تركت في عيني ارصفة الموتى واحلامهم
اطفالهم التي ترعرعوا داخل النسيان
ايتها الارض الصغيره الكبيرة بحجم العالم
هل تراني ارثيك الآن ام إني اكتب خطابا لايامي الخوالي؟

Monday, April 03, 2006

كائنات ...الشاعر ناجي رحيم


كائنات
إلى مهدي النفري " في هذي المحنة .. "

1
من زاوية ٍلا يرمقـُني فيها أحدٌ
أستبيح ُ المشهد َ كلّه
سوايَ لا أحد َيتفرّس ُبالكائناتِ وبالخطوات ِالتي تـعدو إلى ملاذها
كراسي المقهى تـُعلنُ عن عزلتِها ورائحة ُالمغادرينََ تـتسلّقُ الجدران
في قلبي يتـزحلقُ الرّنينْ
2
مدعوكاً في رجـّة ِالأرض ِ
بتفاصيلَ لا تحدّها رعشات ُ ثمل ٍ مثلي
عبر النافذة تـتخاطرُ كائناتٌ لا تقولُ شيئا
ومع ذلك فالضجيج ُ يتـكوّر
كعوب ُالجارة النشوانة ِ تقرعُ وجهَ السّادسة
وأنا كوّمتُ الليلَ في منفضة السجائر
3
في حمّى رجرجة ِ الأثداء ِ والمطر
قطـّرني الحزنُ في قلب المدينة
فأغمضتُ عيني وحدّقتُ في عيون ِالكائنات
أرصفة ٌمن حولي تعج ّ ُ
من حولي نديف ٌمن روح ِالأرض
من حولي نثيث
4
في القطار ِالصّاعد ِإلى روحي عوالمُ لا تـُحصيها الكلمات
كلّ عين ٍ تصرخ ُ في عالمِها
أمعنُ في هذي القسمات
سنواتٌ ضوئية ٌ تفصلـُني عن كائنات ٍٍٍتـتضاحكُ قربي
على مسافة ِشهقة
5
العدّادُ اليابسُ يلتفّ ُورأسُكَ ينبضُ على الجدار
ـــ تنزعُكَ الأطيافُ
لا تنزعُكَ الأنباء
تنزعُكَ الأنباءُ
لا تنزعُكَ الأطياف ـــ
بوجوه ٍغادرها النُعاسُ تصحو هذي الشوارع ُ
وهذي الكائناتُ تبرمج ُالوقتَ على أطباق ٍمن عسل ْ
ناجي رحيم
آذار 2006
نقلت القصيده من موقع عراق الكلمه

Saturday, February 25, 2006

روح الطائر.........مهدي النفري


روح الطائر الميت
يملك شكل الطائر
في جناحيه مازالت طلقات الصائد
الصائد الفرح
بموت الطائر
الفرح باكل الموتى
الفرح
بحزن الاخر
............................

نص ............مهدي النفري


نصوص لم ادونها بعد
ا الطائر
القابع بين عيني الصياد ورصاصته
ينفث بقايا روحه الهائمه إلى عش ولادته
يسحب جناحيه ببطء الايام
يدون كل تواريخ حياته
على ريش الفراغ
يطلقها مع الريح
لاعودة للقادم ولاللماضي
.....................
لوحة الغلاف من اعمال الطفل سامي مهدي

Monday, February 06, 2006

حين تطير الفراشات بدون اجنحه..........مهدي النفري


هذه الجراح الجالسه داخل فم الشاعر
من يخرجها من هذه النوافذ المغلقه؟
ظل ينام إلى جانب ميت
الكلمات التي تتقاطر
من الارصفه
لم تعد للشوارع فيها ذكرى
مدن تاكل نفسها
......................
اللوحه من عمل مهدي النفري

Tuesday, January 17, 2006

een klein geluid::::::::Ger Boonstra قصائد مختاره



Gegeven is een klein geluid
Niet dat het meer is dan gevreesd
Een hand die steeds de mond dichtsnoert
Het hart dat veel te spreken wil
Is, hoe kan het ook, vermoeid

Het hoofd tracht keer op keer
Te denken richting daar
En weer herinnering aan
Gastvriendschap
met goede woorden

Wij zijn de buren zonder straat
Wij zijn de handen die verlangen
Wij zijn het wuiven zonder end

Ger B.
Jan. 2006

الصوره تجمع الشاعر مع الطفل سامي مهدي والفنانه التشكيليه ماريكا فوس

Tuesday, January 10, 2006

حين لانملك اكثر من الدهشه ....!!!!.. مهدي النفري


مهداة إلى المرحوم محمد الفرناتشي
هل حقا هذا هو العام الجديد؟ا
منذ ايام وانا في رحيل بين العام الماضي والعام الحاضر
شخصيا لااملك من الايمان بان هناك فرقا بين الايام
المنفى زرع سلطته وقسوته داخلي لذلك لم تعد الايام عندي مختلفه
وكما يقول احد الاصدقاء
السبت كالاحد
بدا هذا العام برحيل عزيز على القلب صديق واب روحي لي في هذه الغربه
رغم المسافات التي تفصلنا عن بعض
رحل وهو في ريعانة الشباب
كان قليل الكلام كثير الصمت
حين يتكلم يجبرك ان تصغي اليه
وحين يصمت يدفعك لان تتامل صمته
يدفعك لان تنتظر
رحل بصمت وهذه قوة الصرخه
رحيله ترك الكثير الكثير في داخلي
لااود القول الالم لان الموت طريق يمر عليه الجميع
بل رحيله جعلني اقف وبعينين مفتوحتين من الدهشه هل يمكن ان تكون هذه الدنيا بهذه القسوه؟
رحيله ترك في روحي شجره لاادري كيف لي ان اداريها
لااخفي ولااخاف اذا قلت فاجأني موته
موته الذي وضعني امام مرآة من الالم احملها معي حيث لي خطوه
موته الذي ترك وراءه سؤالا قاسيا
ترى من سياتي بعده من الاحبه
اصدقاء رحلوا تباعا ولم يسعفني القدر حتى ان اودعهم او احضر جنازتهم
كذلك فعل اخر الاحبه والاصدقاء
لك ايها الاستاذ العزيز والاخ الطيب القلب والروح الناصعة البياض
لن اقول وداعا
بل اقول
ستبقى تسكن داخلي
وستبقى كلماتك وثورة صمتك منهاج حياتي
لااقول وداعا
لاني التقيك كل لحظه
10.1.2006
اللوحه من تخطيطات مهدي النفري

Monday, December 12, 2005

ايتها القصيده............مهدي النفري


أيتها ألقصيده
......................
اجل
أيتها ألقصيده
أيتها الكلمات ألعابره بي
إلى حيث لاجديد
أناجيك ألليله
كبقية الليالي
ياصاحبتي الوحيدة وظلي
أناجيك لتعودي بي
لتدوري معي محطات عبرتها
وأخرى تنتظر أقدامي
محطات توغلت داخل سنين عمري
كتبت رمادها داخلي
زرعت وحصدتُ أنا وحدي
أيتها ألقصيده
كم من حقيبة تكسرت على ظهري؟
كم من الذكرى
دفنت نسيانها بدمي؟
كم من رصيف كتب عيون العابرين فيه تجاعيدهم في وجهي؟
أيتها ألقصيده
لم ادري إذا أخفيت يقظتي داخل غبار احرفك
أم إني مازلت مؤمنا بهذه الريح
الجالسة فوق صدري
تنتظر أن تفتح النوافذ أشرعة الماضي
أن تدنوا أيدي المودعين لأصافح حرارتها من جديد
أيتها ألقصيده
من يأتي بك؟
من يأتي بخطواتي التي تركتها وراءي تتعقبني؟
.......................................
مهدي ألنفري
هولندا
12.12.2005

Wednesday, December 07, 2005

ايتها الورده.........مهدي النفري


ايتها الورده من جاء بك ؟
اصابع الذكرى تتلوى
وحيده
تفرك النسيان
تحاول المرور من خلال عتمة النافذه
باب آخر يترك وراءه ظل الماره
ايتها الورده
كنا .........كاعشاب تلقفها الربيع لاول مره
وهاهي الايام تجلس فوق طاولاتنا
تصرخ بافواهنا
كم تبقى بحوزتكم من النسيان؟
كم تبقى بجيوبكم من الذكرى؟
ونحن مشدودين لالسنتنا
نبحث عن
الحروف
ترى اين هي؟

Monday, November 28, 2005

دوائر مغلقه.........مهدي النفري


....................
ليس مهما ان يموت احدنا في هذا العالم
العالم خُلقِ ليموت
هذه الشعارات ليس لها قيمه .......منذ أن تكرم الإنسان وأعلن تمرده على الخالق ورفضه ألجنه
وهو يدور كالرحى يحاول أن يتملص من الموت بأي وسيله حتى لو كانت تلك الو سيله هي الموت نفسه
ترى لماذا يموت المخلوق؟
المخلوق بكل أنواعه سواء كان طائرا او حيوان أو إنسان والبقية لاتحتاج للتذكير بها
هل هي طريقة معاقبة الإنسان لأنه تمرد؟
أم هي صياغة أخرى لفرض قانون سواء رضي به المخلوق أم لم يرض
لااحد يقودك إلى جواب
حتى كتب السماء لاتاتي لنا باجوبه واضحه تفسر لغز موتنا
واغرب من الغريب ان يعاقب الانسان اخيه في الخلق يالموت
فترى الحروب تاخذ طريقها الينا ....تسكن داخل كل واحد منا سواءا اولئك الذين يلعنونها علنا او بالسر او اولئك الذين يفتحون قلوبهم لها ويطبقون ماتريده منهم بكل التفاصيل.

Saturday, November 19, 2005

اقول وداعا


أقول وداعا
للشوارع ألخاليه من الأحياء
للأصدقاء الذين اخذوا حياتهم معهم وتركوا لنا الموت صديقا يسير معنا كلما اشتقنا للحديث إليهم
لأمهاتنا التي جلست داخل دموعها وتركتنا نحتسي يوم ولادتنا بدون عيد ميلاد
للحقائب التي كسِرت ظهورنا من كثرة الترحال
للظل أللذي توسد أشعة الشمس وبقي ينتظر الغروب
للجميع
أقول وداعا
:::::::::::::::::::::
لوحة الغلاف من اعمال مهدي النفري

Tuesday, November 08, 2005

نقطه في الهواء الطلق...........مهدي النفري

نقطة في الهواء الطلق
ليس من هناك او هنا
الداخل بين دفتي ظله
لم يمنح تراتيل القنبرة سوى الصمت
بين كفيه
جلس الحالم بالحلم
يدون اسفاره
التي تركها وراءه للهجير
لم يكن الامر
زائلا
او خرق للانفاس الساقطة داخل الوهم
كان الليل مدينة لاحدود لها
تحيط بكل الاسفار
وحين يداهمه النسيان
يخرج الذكرى من اخر المطاف
ويبدا من جديد الدورة
لم يترك الظلمة
تفلت من قبضة اصابعه
خطواته التي تركها للريح
كانت لها حكاية اخرى
حكاية الصداقات
والخيانات
والهزائم والانتصارات
حكاية المراكب
التي جفت مراسيها
حكاية الضباب الذي لف
الجميع
ولم يترك ثمرة
تنضج
او جسد يكبر
داخل المرآة



Sunday, October 30, 2005

حين ................مهدي النفري



حين يصبح العدم الباب الوحيد
للكلمه
الأشياء هنا تتكور
تُدحرِجُ بقاياها لثمرة القطاف
كم من ريح مرت بجانبي؟
وأنا كذرات رمل أتطاير لأجمع نفسي في شتات أخر
ابلغُ أيامي .....أيام تتكسر لحظة بلحظه
تكتب زوالها بيديها
وحين تصل النهاية
تبدأ من جديد تكورها لتطلق شمعة الذكرى تفك بها طلسم النسيان
.......................
اللوحه من عمل الطفل سامي مهدي ....العمر 5 سنوات

Thursday, October 20, 2005

نص ..........عبدالواحد الانصاري

إلى الصديقين:
صديقي الشاعر محمد: وقد أوردت مقاطع شعرك التي استحوذت علي هنا.
وصديقي المهاجر موسى: ليكن عزاؤك أن الذين تركتهم لم تعد لهم قيمة بعدك.
هذا صباحٌ أبيض، وإذنْ فجدران البيت البيضاء ستبدو حليبيّة، وفي ارتداد الفناء الخارجيّ لا تجد الشمسُ منفذاً؛ لأنّ منفذ المنزل شماليّ وجداره مرتفع، ومن الشرق والغرب تحف به بيوت أعلى منه. اليوم تنفّس الصبح وفي بقعة الفناء ندىً جمانيّ كقطرات العرق، ودجاجة رصاصية منقطة بالأبيض تقترب من شذى البلاط وكأنها تشمّ، إنه تأثير البرودة وقطر الندى على مربعات الأرضيّة الناعمة كرخام مصقول، في بكور نهارٍ يتوعّد بحرارة حارقة لأن الدنيا على وشك الدخول في أنواء الصيف. وكلما ابتعدت الدجاجة وخفتت قوقأتها هبط عصفور يلحق به نظيره، يستأنفان التشمّم الذي بدأته الدجاجة، منتعشيْن، تنطلق من حناجرهما الحادّة زغردة حذرة كأنها لم تصدّق بعدُ بوجود هذا الانتعاش الذي تقف عليه. ويُسمع صوتُ خطوات إنسان يمرّ من خلف الجدار فتسارع الدجاجة الخطو إلى مدخل المنزل حيث الصالة الخالية إلا من الصدى، يميزها هذا الحذر الفطري، فتتوارى عن مجال الخطى التي تسمع وقعها من الخارج، ثمّ تقوقئ في قلق ظاهر، ويرتدّ صدى قوقأتها في الصالة فيطير العصفوران، ليدورا بضع حوماتٍ في الفضاء ثم يعودان بعد اطمئنانهما إلى البلاط البارد.


**


كلّ هذا وهو يتقلّب في منامه، ويحلم أحلاما خافتة ليس لها من الوضوح ما يجمعها في حدثٍ واحد يحتويها، وكأنما هي أصوات الفضاء العام أو إيقاع تنفس المدينة. ولعلّ هدوءاً كهذا يفسح للأصوات والأصداء البيتيّة فرصة لأنّ تبدو أكبر أحجاما وأقرب إلى الاستقبال في دائرة ما تلتقطه حواسّ هذا النائم. إنه يسمع، لكنه رأى أنّه يخطو ويرى ويسمع! مشى وصدى خطواته يحفّ به؛ مرّت الدجاجة من بين قدميه، رافعا لها ثوبه لتمرّ من بينهما بحنان، كأنما تمسّد جسمها بسراويله، وعلى سبيل مداعبة للذكرى وطأت سبّابة قدمه اليسرى قبل أن تستأنف مسيرها مصعدة، فأحسّ بألم كأنما دُقّت أصبعه على حصاة، وحفّ به العصفوران فدارا من حوله ودار معهما، ومدّ أمامه ذراعيه في حركة يعني بها استدعاءهما ليحطا عليه، ثمّ رفع ذراعيه كغصنيْن فتيّين، فاستجاب أحد الطائرين -ولعله كان أجرأهما- وحطّ عليه، تسمّر الرجل في مكانه برهةً، ثمّ تحرّك إلى الأمام كمن يسير نائما، واستقرّت به طمأنينة لأنه كان مركّزا نظره عليهما، وهما يتشممان ذراعه ويداعبان زغبه الخفيف بمناقيرهما! كأنهما يلتقطان حبّاً، قال: خُلقت العصافير لالتقاط الحَب، وحتى لو لم تجده فستتظاهر بوجوده ثم بالتقاطه! وبلغت به طمأنينته واستغراقه في المشهد حدّا جعله ينسى ما تحته ويرتفع في الفضاء.


**


لكنْ أعاده إلى فسحة بيته صوت صبية صغار، طيّر العصفورين بحركة كالتي ينفض بها ذبابا عنه، وأعاد مرفقيه فعقدهما أمامه، وسمع صبيّاً يقول:


- أنا مستعدّ لدحرجته إلى الوادي أو تلطيخه بالنفايات.


رد صبي غيره:


- أخشى أن تهرب.


أجاب مؤكدا:


- الحمار هو من يهرب.


قال في نفسه: حسبي الله، أهذا ما تُعدّه مساكننا الوادعة للغد؟ ثم خرج فتفرق صبية سودٌ عديدون، وقد توقّع من سيكونون من لهجتهم الجنوبيّة ودقّة أصواتهم، وهو يعرف من هم ومن أيّ زقاق خرجوا إلى الدنيا، كانوا رهطاً بين ثلاثة وخمسة، ووجدهم وقد علّموا سيارته بقلم خط أزرق عريض: رسمٌ رديء لجمل غير مكتمل، وخلفه دائرة مُطْلقة فارغة! ملأه الغيظ! بمَ أزيح هذا الأثرَ؟ ببخّاخ أبيض؟ ولكنه لون يستر لوناً وليس إزاحة للأذى بكامله، ثم اختار أن يفكر في الأمر لاحقا.


**


استنشق الهواء الرطب البارد، وامتدّت أمامه أرض ترابية سلبيّة، تتّحد عند حد الأفق بسماء صافية وكأن المحيط الذي يشغله ليس إلا جزءا من امتدادها وهو في مركز الفضاء السديميّ، ولشدة التناسق شعر أنّ وزن الكتلة في أي مكان سيذهب إليه سيكون مطابقا لوزنها في الموضع الذي سيغادره، وسيكون في مركز العالم دائما.


ويرنّ هاتفه المتنقّل فيتململ في موضعه، وكأنما نقص عليه هذا الصوت الدخيل من فسحة الفراغ غير النهائي الذي يسبح فيه، أو كأنما تطفّل عليه فمٌ آخر ليشاركه بفظاظة في تنفسه هواء ذلك الفضاء المبهر في فساحته وسلامه. وتسلل إليه من التنغيص ما لا يقلّ إزعاجا عن دبيبِ ذبابة على الوجه أو هياج عطاس عنيد في الخياشيم! وهنا لجأ المتقلّب في منامه إلى حلول الحركات الرافضة؛ لعلّ الحركة تقصي عنه بأصواتها وأحاسيسها الخاصة بها ما ينفي عنه ولو نزرا يسيرا من حدّة الصوت الذي اخترق سكينته؛ فرفع رجليْ زوجته النائمة في وضع استلقاء وأراحهما فوق رجليْه، وكان منها هي أنْ شعرت بوجوده بعد أن كان استغراقها في النوم يبعدها عنه بضع خطوات على الأقل، تقبّلت المرأة هذه الحركة بودّ نبيل ومشبع بالعرفان، وأصدرتْ صوتا مداعبا، وكاد هو أن يستيقظ على وقع صوتٍ جديد ينبثق من داخل صُلبه هذه المرّة، ولكنّ حبل النوم جرّه بوداعة إلى أحضانه فاستسلم وهمد وانتظم تنفّسه. ثمّ عاد الرنينُ قويّا، وجاء وقعُه الملحّ متأبطاً صيغة من إحدى صيَغِ النداء الصوتي، كأنه صوت مؤذّن أو مستغيث، وهذه رسالة أوحتْ إلى خياله المنطلق بفعل غياب الوعي الخارجي: أنْ يدمجَ تفاصيل هذا الصوتِ بشيء من توقعاته: من يكونُ هذا المنادي الملحّ؟ وهو إنسان بلا شك فهل هو ذكر؟ ليس لي ارتباطات ولا أقارب يريدونني في هذا الوقت إلا أن يكون أحدٌ قد مات! هل يكون المتصل هي؟ غمره وهجٌ غسل بحرارته كسله، واعتراه خوفٌ من تركِها تناديه كمستغيثة من قعر جبّ وهو يتناوم هكذا، كم هو شائنٌ أن تنصرف كسيرة النفس محبطةً بسبب كسلٍ غير مبرّر منه.


قفز بطريقة ارتفعت معها قدما زوجته في الهواء وعبر من تحت عرَقهما نسيم الغرفة، ثم هبطا بقوة واصطدما بالفراش، فأصدرت أنة هي بين الاحتجاج والسؤال: لماذا؟ وتحرّك بحيوية المرتاع ورفع الهاتف قائلا: ألو؟ كان هذا صوتَ صديقته، ولم يفطنْ هوَ إلى أنه ما زال يتقلّبُ حالماً! وأنّ وعيَه -إن لم يتنبّه سريعا- سيورطه في اعتراف بالخيانة، على مقربة سنتيمترين من أذن زوجته، وهاهي تتحرّك على وقع همهمة صوته، بعد أن أزاح رجليه من تحتها، وما زالت متململة في نومها بتأثير الطريقة الفظة التي أزاحها بها عنه! قالت التي عبر الهاتف:- لماذا لا تردّ؟ هل أنت مشغول؟ هل عندك أحد؟ قال: لحظة يا عبد الله، سأكلمك فيما بعد.


كان واقفا في الصالة الآن، ويرى الدجاجة تبتعد عن مجال حركته المرتبكة، وعاد مشياً وهو يحاول أن يتخلّص من محاصرة قلقه، ولما استدار وجد زوجته في وجهه تهزأ:- عبد الله، هاه؟ عبد الله؟ لم تضعفه الصدمة بل تحرّك في جوفه شلاّل من الغيظ، شلاّل يتدفّق إلى الأعلى، نافورة، وينتشر في الأطراف، مطر زوبعيّ؛ كيف عرفتْ كلّ شيء وهيَ لم تسمعْ شيئا؟ من عادتها أن تفاجئه بمعرفتها بما فعله بعد مضيّ قرونٍ من اكتشافها له، وبعد تعذيبه طوال فترات من المراقبة المتوجّسة والتلميحات المحملة بشتى التضمينات الساخرة، وبعد أن ييأس تتركه حتى يذهب إلى العمل، ثم تهتف له بصوت هادئ مزدرٍ:- أعلم أنك تكلّم امرأة. في هذه المرة تقف أمامه:- عبد الله، هاه؟ هاه؟ غاظته هذه القدرة التي تمتلكها، وأنشطته هذه النافذة التي تفتحها متى شاءت على أغوار سريرته فتنتزعها بكل اقتدار. واستبدّ به الاغتياظ فلوح بيده في الهواء وصفعها، لم يتحرك منها شيء ولم يبد أنها تألّمت، حتى شعرها بقي ثابتا على حاله، وعنقها مستقرة على جذعها بشمم كالزاوية القائمة، كأنما رقبتها لوح من رخام صلد:- عبد الله، هاه؟ وجذعها مسربل بقميص البيت العُماني الأحمر، الموَشّى حوافّ الأكمام وجيب العنق بخيوط ذهبيّة، وشعرها مسرّح بطريقة كرات هرميّة بعضها فوق بعض تزيد من طول قامتها فتضفي عليها مزيدا من التسلط، وتلفح أنفاسها وجهه، فيشعر بحاجة ملحّة إلى الفكاك كإلحاح الحاجة إلى التخلص من الخنق. النهار في طريقه إلى التوهّج، والصيف المقبل في الشهر القادم يتعجّل فرصته للحضور قبل موعده، وإذا أشرق المنظر على وجهها وجَلَدَتْه بسياط عينيها فستكون ساعة موته.


إنه ما يزال يتقلّب، وهي بجانبه تشعر بعسر تنفسّه وانتفاضة أطرافه، فتحنو عليه وتميل مريحة ذراعها اللينة المتعرّقة على خصره، وأحس هو بشيء يمسك به محاولا جره إلى الخلف وإسقاطه، فاستثار كل طاقات رفضه، واستجاب الكون على غير العادة فتراجع النهار وهبط ليل لا ظلام فيه، وكأنما اقتربت نجومه من الأرض أو أن الأرض ارتفعت حتى دنت من أجرام السماء.


**


خفّ وزنه على إثر هذا التحوّل، وأيقنَ بانسياب الحركة وحريّة التغيير التي أضفتها عليه استجابة الكون لوجعه الذي استبدّ به منذ قليل، فراق له أن يخف أكثر، وتمنى على نفسه أن يتقلّص حجمه، وكانَ له ما أراد، فبدأ كيانه الجسماني يرقّ وكأنه صوتٌ يخفتُ شيئا فشيئا، حتى استحالت كتلته إلى ما يشبه شرشفا معلقا بمساكة على حبل غسيل، رفع يده وفكّ المساكة عن رقبته، وحكّ موضعها، وأراد أن يطير طيرانا حرّا، فرفعه الهواء، وانسابت به الحركة في غير تحكّم في البداية، لكنّه ما لبث أن أمسك بزمام أمره وصار يوجّه تحليقه الحليم الوديع بنظرِهِ وحدَهُ. ثمّ حلّق في ارتفاع منخفض، ووصل به مشواره المنسرب إلى مشارف شمال المدينة، وضحك وهو يخترق الفجوة المفتوحة في منتصف بناية كبيرة تُعدّ ناطحة المدينة، لقد اخترق دلتا هذه الفجوة مبتسما وكأنه يعوم في مجاهل بِضع امرأة، وتحته هذا الليل البهيج الذي يشبه بكور صبح غائم، وتمتم: هذا أجمل ليل رآه العالم. وسمعته وهي بجانبه وقد خفّ منامها بقدر ما يستجد من حركة جسمه النشط، فأجابته وهي ناعسة: تتكلم وأنت نائم؟ هذا الردّ تحوّل بتحليقه عن مساره، وانتقص من قدرته المطلقة على توجيه ذاته، ومال به قليلا إلى جهة الشمال الغربيّ على حافّة طريق مشجر الجوانب، تمرق منه سيّارات مندفعة لها أزيز، والجوّ مغرِبيّ متحرك الهواء، مضاء هذه المرّة بمصابيح صفراء.


**


اقتنع بأنّ صديقته تجلس في حلقة عائلية وراء هذا الشجر المطل على ناصية الطريق، وحدثته نفسه بالاقتراب واختلاس النظر على أمل أن يجد فرصة ينتهزها أو لقاء يختطفه، وتقدم مسافة يسيرة على الأرض النديّة، فشمّ التراب المبلول قبل أن يلطخ باطن قدمه وعلقت به أوراق جافّة لها خشخشة، ومن تحت الشجر ينبثق ضوءٌ صُمّم لكيْ يلفت النظر إلى جذوعها، عبر شبحه الذي يمشي الآن من بين هذه الأضواء وتجاوزها إلى مساحة أكثف شجرا ولكنها مظلمة، ضيّق عينيه وأمعن وإذا بجندب برتقالي ضخم يبرز إليه الآن من حوض نخلة مغروسة وملفوفة بالخيش ومائلة إلى الشمال، تراجع ليس حذرا من الجندب الذي ظهر في غير أوانه -ربما لأن وعيه استطاع إسعافه بأنه كائن غير واقعي- لكن خشيَةً من أن يتعثر به حظه في أحد أقارب صديقته، فلا شيءَ يخيفُه كنظرة ازدراء توجه إليه بوجه حقّ.


**


استلهم من ضيقه روح المعاناة، واستجدى من طاقات نفسه برغبة باكيةً ذليلة أن تتيح له الطيران مرة ثانية ردد بمذلّة وكأنه يحفر برجائه في جدار طيني: أريد مغادرة هذا الموضع. وكانت زوجته تسمعه الآن بأذنها وليس بعقلها الموثق بغفوتها المستمرّة، وقد استسلمتْ لها الآن، فلو حاولت أن تفهم ما يقوله لكانت صعوبته عليها بمثابة حل فوري لجدول الكلمات المتقاطعة دون الرجوع إلى البيان المصاحب! لقد غاب عن الرجل طيلة حياته الزوجية -لحسن حظ هذه المرأة- أنها كانت تقتنص منه نداءات الحبّ التي يوجهها إلى صديقاته وهو صريعٌ بكؤوس نومه، وتكُون هذه الهتافات المتلهفة المشبوبة كمفتاح باب أو طرف حبل لا يلزمها إلا تتبعه لكي تصطاده؛ والواقع أن طمأنينة عامٍ كامل، سلك فيه زوجها سلوكا نظيفا غير مريب، وعاشرها فيه عشرة حبّ ثملة، هي التي خفّفت من تيقّظها لما يجري، وزاد من الأمر أنّ هذيانات نومه طيلة ذاك العام كانت باكية ومحمومة بقبلات يمطرها -هيَ- بها، وغالبا ما تؤدّي إلى التحامٍ عشقيّ لا نظير له. ثم: لعلّ عقلها الداخليّ يستظهرُ أنّها وكّلت عليه في داخل أحلامه رقيبا صارما يفسِد عليه كل مُتع النوم فضلاً عن أن تتيحَ له نفسيّته النادمة أن يعودَ إلى خيانتها في الواقع. وبرغم ذلك فإنها ظلّت طيلة العام المنصرم تتظاهر بأنها عفتْ عنهُ كرما، وبأنها لم تفقد حيطتَها بعدُ، غير أنّ الحقيقة هي أنّها اقتنعت فقط بسحب جرحاها من المعركة وبالبداية من جديد، إيمانا منها بقدرتها على استعادته من طيشه، و-مؤكَّدا- لأنه لا يستطيع العيش بدونها حتما، وهي ورقة ثمينة تستحقّ أن تقلّبها بين أناملها طويلا. ومن بعدُ: فلا شيءَ أشدّ قدرة من النوم على تزوير ما تتلقّفه الحاسّة المشتّتة بالنعاس، ولا شيء يمكن أن يشبه الشيطان تزويرا للمدارك مثله! وأخيراً: لقد أزاحت شعر جسمها في الليلة الفائتة، وفردت رجليْها على الفراش المجاور له في حركة معناها: هلمّ، وهي مشغولة الذهن -حتى في نعاسها- بانتظار هجمة شرسة منه وليس إعراضا أو خيانة، وما زال بالقربِ منها وهي مستنيمة إلى طمأنينة هذا القرب. فلعلّ كلّ ذلك أفقدها حيطتها وغيرتها، ولو مؤقّتا؛ والآن انقلبت وأدارت وجهها جهة الحائط وقد تدلت شفتاها ومال لعابها إلى جانب وأنفها يستنشق من الوسادة رائحة شعرها، وهي ممتلئة بحيوية تنتظر الاستنفاد، فيما واصل الرجل تحليقه.


**


منساباً كظل طائرٍ مرّ على صفحة ماء، غير أنّ الوجود تطبّقه ظلمة لا أجرام سماويّة تلطّفها، وقال: كان الليل إذا قتل الشمس وزّعها قطعاً صغيرة في ثنايا جلبابه، والناس يدعونها نجوماً، لكنّه اليوم حزين جدّاً أو غاضبٌ! لم يلُح في الأفق ضوء غير ذلك الذي يحتضن فتحة البناية الشاهقة، الفتحة الأسطورية، ضوء يتبدل كل دقيقة، وليس كل دقيقتين -كما كان يراه في صحوه- وفهم الأمر على أنه تعديلٌ أجروهُ لزيادة لفتِ النظر، هاهو يتبدل، من الضبابي الحالم إلى أبيض، ثمّ أزرق فاتح، ثم سماوي، وهذا هو أخضر عشبي، ثم زيتيّ فيه دكنة، وأخيرا توصّلنا إلى ضوء بنفسجيّ له رائحة المخمل الجديد، عبر مجددا في بضع المرأة، أو في هذه الدلتا التي يشبه سقفها مقبض حقيبة، وأخذ به سحرُ الأضواء وانقلب كأنما يسبح على ظهره، وألقى بعنقه إلى الوراء وهو مستلقٍ، فرأى وراءَه طائرة مروحيّة سريعة، تضمّ موكبا سامياً، هاهو يا سادتي يريح الطريق المختنق الذي يوقفه نصف ساعة قبل ذهابه وإيابه ويجرّب التحليق والنظر إلى من وكّل بهم من أعلى، يا أهلا وسهلاً، وستندرجون في موسوعة الأرقام القياسيّة أيضا، أوّلَ من عبروا إلى رحم امرأة تحت ضوء بنفسجي يغري بالاسترخاء، وعلى صهوة طائرة مروحيّة.


**


وشعر بثقل في أسفله وكأنما الوشاح الذي كانَهُ صار محمّلا بكيس تراب في الأسفل، وتسارع سقوطُه، فأغمض عينيه مقاومةً لما يجري، وعندها خفّ الاندفاع حتى كأنما يهبط بمظلّة، وظل يجدّف بذراعيه وهو لا يدري هل سيهوي ويتخبّط في أسلاك الشوارع حتى الصباح أم سوفَ ينجح في الارتفاع؟ ومالَ يسارا بزاوية حادّة، بفعل هواءٍ هبّ من غير تفسير، قال: لعلّ حبيبتي تنتظرني هنا؟ ما أراه أسفلي هو طابور سيّارات أتعب ركابها الزحام فخرجوا واستلقوا في الطريق وبعضهم يبول في مغارس شجر الأرصفة وآخرون يشرئبون بأعناقهم إلى الأمام ليعرفوا ما سبب الازدحام وآخرون يقولون إنّهم مرضى وأن الازدحامَ ينتهي عند بوّابة المستشفى. قال إنّ هذه مشكلة أكبر منه وإنه أحوج إلى نفسه من احتياج العالم إليه، ثم قال: ما هذا الغرور؟ وكأنني أعني شيئا في الوجود؟


**


جاوزَ الزحام في حركة هي ما بين السباحة والركض في الهواء، لأنّ وضعيّة البساط السليمانيّ تخلّت عنه، وهبط هبوطا سهلا، وسأل طبيبا زنجيّا يضع نظارات بدون إطارات ويتجه صوب جهة الفضاء لقضاء حاجة على ما يظهر، قال له: هل هي هنا؟ ورد الطبيب بسؤال:- تعني الدكتورة...؟ ونطق باسمها! يا إلهي! أخيرا وجدتها وسأكون مريضها الذي سيتلقى شفاءه بلعق مسامها الرطبة -هو محروم في حياته الزوجيّة من ملذات اللعق!- وأصبحتِ دكتورة يا عمري! يا لها من فاتحة تصلح أن تكون ديباجة أغنية، وعاود سؤال الزنجيّ: ولكنني كنت أستحمّ استعدادا للقائها، فهل أدخل عليها وأنا محيطٌ خصري بالمنشفة؟ أجابه الأسود:- أنتَ أدرى. قال ولكنّني لست متهندما بما يليق، ما الذي يليق؟ وجعل يردد السؤال فتركه الرجل لحال سبيله ومضى يقضي حاجته بين حجريْن منتصبين على مرمى بصر، وكأن الطبيب أحسّ بما يختلج فيه من أسئلة، فالتفتَ مجيبا عن سؤال مفترض:- أصنع هذا لأنّ المرافق تالفة. وكان أثناء جلوسه عاري القدمين يعدّل نظارتيه على وجهه بيمينه وينظر إلى الأفق أمامه. يا رجلُ! دجاجة بيتك وعصافيرُك ينقضّ عليها طائر أبيض القوادم والذيل ويضربها بمخالبه، ويتبختر في فسحة بيتكَ كصقر.


**


المتقلّب في نومه يتعرّض لمراوغات أناهُ العليا، هزائمه القديمة ونفسه المحاصرة بالذنب -بعد انكشافه متلبّسا به منذ أكثر من عام- تحولُ دونَ أن يفوز بأيّ من مشتهياته ولو في نومه، وفي حلمٍ سابق تعرّضت له فتاةٌ ريّانة، سمراء كأنما تنضح عسلا، بين السمينة والنحيلة، عظامها دقيقة ولحمها إسفنجي، لكن حال بينه وبينها أن قالت له باستكانة:- يمكنني أن أتحمل ولكن الناس حولنا، وقد كانوا محيطين به، وحدّث نفسه بالانصراف بها إلى شقّته مثلا، إلا أنّه خمّن أن زوجته قد تفاجئه أو يلاحظ أحد جيرانه صنيعه. وفي حلم آخر كانت نتاشا الروسية بطلتَهُ فقدَ القدرة على المبادأة برغبته. أما الآن فقد بدا محاط الخصر بمنشفة بيضاء باهتة، عاريَ الجذعِ، يقطرُ الماء من رأسه وعاتقه وعنقه على جسمه، في خطوط متصلة تتجمع عند سرّته كأنها الزئبق، والطبيب الأسمر منشغل عنه بمثانته. وصاح قهرا: آهٍ يا أمي.


**


أجابته:- ماذا تريدُ، كانت واقفة، واقتنص شبهها بزوجته في اللباس: القميص العماني الأحمر الموشّى بخيوط مذهّبة، وتسريحة الشعر الهرميّة نفسها. قالت:- لم تستطع طول عمرك أن تجابه ضعفكَ وتستقيم، ولم تفلح كذلك في الانقياد لهواكَ، لأنّك مذبذب وضعيف. أجابها: أنت متواطئة معها عليّ. ردّت:- أبدا، ولكن تخيّل نفسك وأنت تتوضّأ وتقرأ القرآن، وتتحدث عن الفضيلة مع أقاربك ثم انظر إلى نفسك وأنت تهيم في الدنيا باحثاً عن وسيلة تمكنك من خيانة امرأتك. قال: لم يحدث شيء إلا مرة واحدة، فلماذا تصران على أنهن نساء كثيرات؟ ردت:- لا فرق بين امرأة واحدة وكل نساء الدنيا. قال: قولي لي شيئا آخر لا صلة له بالخيانة. وكأنما تتجاهله قالت:- حقّك أن يُغلى دماغكَ بالنار. قال: ونفسي الطيّبة! وضميري الحيّ؟ قالت:- إذن فتستحقّ أن تكون قدماك في الجنة وعقلك في النار. لم يبدُ عليه أنه فهم، بخاصّة أنها تتفلسف بطريقةٍ جعلته يشكّ أن زوجته لقّنتْها هذا الكلام؛ وما لبث أن تأكد لديه هذا الاحتمال عندما أخذت تضحك مردّدة:- عبد الله، هاه؟ سأكلمك يا عبد الله بعد قليل، هاه؟ قال بتحطم: يا أمي، أنا متأسف جدا لأني أشعر أنك تمثلين دور حماتي! قالت:- أنا مع الواجب وليس مع بطني فقط، ولو كنتَ ابني لما سلكت مسالك عبد قليل الأصل. أجاب: يا ليتني كنتُ عبدا بلا أصل، ويا ليتَ الظلام يعمّ ويطمس الكون فلا يفرق بين الأسود والأبيض، ولو كنت أسود والدنيا سوداء لما احتجت إلى هندام، وستكون جهامة الليل دافعا عاطفيا مضاعفا إلى معانقة حبيبتي بشغف.


**


أجابه رجلان أسودان دفعة واحدة: محمد السوداني: الشاعر المهاجر، وموسى التشادي: الصديق المنفيّ:


- هل تريدُ يا صديقنا أن تشتري لوننا فقط أم لوننا وذاكرتنا معاً؟


رد بدون مواربة:


أشتري كل ما قد يمكنني من معانقة حبيبتي.


قالا:- ستحاصرك أصواتنا وقصصنا.


: أشتري الذاكرة الأليمة والأصوات والمرض، بشرطِ ألا يفتضحَ لوني.


قالا معا:- هل تعني أنك تريد أن تتواطأ السماء مع لونك فتلبسه كل شيء؟


: بل أريد أن أمتزج بالظلمة حتى أختفي وأستتر عمن قد يراني، وتتخيلني كما تحب.


قالا:- أنت تتمنى لها العمى.


: لا على الإطلاق.


قالا:- على كل حال يشفع لك أن الحبّ أعمى، هذا إن كانت تحبك.


: ولكني أصر أن تنعقد الظلمة على الأشياء حتى أتمتع بحريتي.


أجابا:- لك ذلك، ولكننا لا نضمن استمراره.


وسأل: هل يعرف أحدكما الآخر؟!


ردّا:- نحن نعرفك.


**


أحاط به غشاء لزج، ليس كاتما ولكن كما لو أنه في فضاء محدود، وحاول أن يتذكّر كيف كان في رحم أمّه، ثمّ أدرك أن رحمه لا ينتهي بمخرج، بل هو كنسج عنكبوت أو قشر بيضة وقد يتمكن من تمزيقه إن أراد، ولمَ لا يكون ذلك الآن؟ لعلني في رحم أمّ جديدة ومن المحتمل أني دودة في شرنقة، وتقدم خطوة فوجد نفسه في الهواء، وعمّت ظلمة فقد معها التمييز، وقال: هل أصبحتُ الآن أسود؟ أجاباه:- اسأل قلبك.


ودمدمَ محمد السودانيّ:


- يا من تمتدّ في دنياي جسرا من حضور


رحيلك جرح يخترق الوصال


عدي قطرات المحيط عدا


وبساتين الأرض وردا


فهل لها عدٌّ موجود؟


**


وجّه إلى الشاعر سؤالا: أين أنت؟ قال:- في بلدي، وهي كلمة لائقة بعنوان قصيدة. وقال لموسى التشادي: أين أنت؟ فرد:- في لندن، وأتعلم لغة جديدة. قال له: لماذا انقطعتَ عني؟ قال:- أرسلت لك برسالة منذ وقت قريب. قال: لمْ تصلني بعد. وسأله التشادي بدوره:- كيف هو البيت الذي أخرجوني منه؟ قال: لم أذهب إليه بعدك إلا مرة واحدة، وكان بابه ما مسدودا بطاولة قديمة تعلوها نفاية الطريق. وقال للشاعر: كنت أعرف من روح شعرك أنك لن تعود! فأجاب:- حاولت أن أعود، لكن خوفي من عذاب الفراغ عاقني. ثم دمدم:


لا تعتذري فأنتِ كالصبح يوقظنا ولا يعتذر


لا تعتذري فأنتِ كالأنبياء يُرسلون ولا يعتذرون


**


اشتغل بهاجس جديد وكأنما نسيَ أنّه يريد الظفر بحبيبته ليلعق ساقيْها، وفكّر في جلده الجديد ومشاكل وجوده الطارئة، وبعد صمت طويل قال:


-كوني أسود لا يعني أنني عبدٌ أو إنسان بلا أصل.


غنّى السوداني:- منا من آمن وانهزم، ومنا من قضى ومنا من بكى.


وعقّب التشادي:- فكرة جيدة، لكنّك لا تستحق الشكر عليها، لأنك لم تفكر فيها قبل أن تصبح زنجيا.


: لو أن القارات كلها أنتجت السود فلربما ما كنا لنعاني من الاستعباد، المشكلة أننا أبناء قارة واحدة.


غنّى السوداني:- اصطفينا مقاعد أمامية وجلسنا، فقالوا إنها ملك لسادتنا.


وقال التشاديّ:- أنت تهذي يا صاحبي، وبرغم حماسك أعلن مجدّدا أنني لا أشكرك، لأنّ وعيَك مرتبط بمشاكل ذاتك وحدَها.


استأنف: لم أكن أعلم أنّ مجرّد تغير جلدي سيبدل مسار أفكاري.


قال محمد:- استديري نحو الوراء ولا تتحسّري.


**


ونطق موسى بصوت خفيض:- خائن؟


فارتعبَ؛ هل يعرف عما يجري في دهاليز بيتي؟ ضحك موسى المنفيّ واستأنف: امرأتكَ تستحمّ عارية والأعين تتلصص عليها من المناور وهي لا تدري، وعصافيرُك التهمها الطائر البني ذو الذيل الأبيض، وبالأمس رأيتَ في نومِكَ بقراً تُذبح، وبلاطاً يسقط من جدار مطبخك، ورجلاً يشبه بائع العبيد في فيلم كوكب القرود.


سأله: وماذا يعني ذلك؟


ردّ الشاعر:- اسبحي في قاع البحر القريب، واسترقي النظر بشفافية التدقيق.


وقال المنفيّ:- يعني أننا سنهدم لهم مبنى ثالثا، فنتيح لهم الفرصة ليحتلّوا بلداً ثالثا.


تجاهل ما سمعه، وعاد يستفسر:


أتقول إن زوجتي تغتسل والأعين تتلصص عليها؟


قال الشاعر: احترقي كما يحترق الأفيون.


قال موسى:- نعم، وسيارتك مرّ بها صبيّ يتعلم الإنجليزيّة...


أكمل مقاطعا: ورسم عليها شيئا يشبه جملا تتبعه كرة فارغة.


قال موسى:- لا ولكنه أراد أن يكتب كلمة OK.


**


يتضح أن المتقلب في نومه يعاني من عودة مشاكل وأحداث وأشخاص تجاوزهم من قبل، فعقله يستصحب كل ما رآه منذ قليل معه ليتدخل به في مستقبل حلمه متى شاء وكيفما شاء! ولذلك فإنه استأنف يسأل:


وقلتَ إن دجاجتي الرقطاء وعصافيري يعذبُها الآن طائر بني جبان له ذيل أبيض؟


قال محمد: تجمع السحاب وأنجبت الأرض سنابل من ضوء الشمس الأسير.


أجاب موسى: نعم، هو ليس طائرا جارحا، ولكنه استعار مخالب حدأة ليؤذيَك.


دهمه الضيق حتى كاد يصحو، ومال إلى جانب فلمس جذع زوجته النائمة بقربه تستنشق وسادتها، وأحاطها بذراعه وشدّها إليه بقوّة دافع مقاومة الفقد الذي يملأ جوفه، وأنّت المرأة بدلالٍ، وتوقّعت هطول مسرّة قريبة. ولكنه كان مشغولا بمخاطبة الصديق المنفيّ:


هاهيذي بين ذراعيّ، زوجتي، وأنا متحكّم بمقاليد أمرها، ولا أستغني عنها، ولن أدعها لأعين المتلصصين.


رد موسى:- والعصافير، والدجاجة؟


أجاب بحدّة: لا يهمني إلا حبيبتي.


وهنا تغنى الشاعر من داخل جوفه:- سألونا: كيف نسير في هذا الزمن.


: أصبحتما في جوفي، ولذلك تريانِ ما أراه وما لا أراه.


قال موسى:- أتحب زوجتك؟


رد: نعم، بالتأكيد. وازداد ضغطه على خصرها اللدن.


أجاب موسى:- تحتاج إلى أن تشعر بالفقد لتحبّ، وتحتاج إلى الشك لتقلق على حبك، وإلى أن تشعر بالنقص لتقتنع بما لديك.


صمت مليّا، ودار حول محوره مثل حجر رحى، واستمر في دورانه حتى أحس بقوة سلطانه، ثم قال لهما:


استعدا معي لزيارة حبيبتي.


**


علا فوق طبقات الجو، وتدحرج في قناة سماويّة ثم انزلق وكأنه ينسرب في فوهة بلاستيكيّة، وأغمض عينيْه مصرّاً على أن ينتقل إلى حيث أراد. إنه لا يعي أنه خرج من نطاق فراشه وتدحرج في الغرفة ثلاث مرات ملتفّا حول نفسه، ثمّ استقرّ في بقعة في المنتصف، كجثة ملقاة على وجهها.


**


كان يحملهما في داخله، لا يشعر بثقلهما الحسّي، ولكن يدرك أنهما موجودان في زاويتين منفرجتين أسفل رئتيْه، وهبطت به إرادته محدثا دويّا قويّا على سقف سيارة كبيرة، فخرج من فيها ومن حولها من الناس، وعجزوا عن الاطّلاع على آثار هبوط هذا المحلّق الأسوَد، وحبسَهم الظلام المخيّم عن الحركة إلى أي اتجاهٍ فتضاغوْا بألمٍ، وانهالوا باللعائن على خدمات الكهرباء، أما هو فقد قفز كما يقفز الغطاس من قعر مسبح، وارتفع ببطء شبيه بحركة فيلم بطيئة، وهبط في الارتداد الفسيح بين السور وباب قسم المختبرات في المستشفى، إنه يرى كل شيء دون حاجة إلى النور. كان يعرف أين يجب أن تكون مطلوبته بالضبط: في إحدى غرف النقاهة، تقيس حرارة مريض شرق آسيويّ، على كتفها حقيبة صغيرة مطرّزة المقبض بزوائد جلدية ناعمة.


دخل الغرفة فوجد نساءً في حالات إغماء، مضطجعات، كل اثنتين منهن في سرير واحد، وتضع كل واحدة رأسها عند قدمي الأخرى، مستغرقة في نوم عميق، وكلهن ذوات ملامح شرق آسيويّة، لم يجدها -كما هو متوقّع- وسطع ضوء برتقاليّ فانكشف عريُه وسواده الحالك، ونظر إليه الطبيب وحاول أن يعدل منظاره ليرى إن كان ما يراه حقا أم باطلا. وهنا انتشرت فيه قوّة وحش، وبخطوة واحدة امتطى صهوة سرير، ووطأ بطن امرأة نائمة، وقفز منه ليضرب بقبضته المصباح.


**


إنه الآن يسبح في فراغ، يحرث بقدميه البساط ذا المربّعات الخضراء المتقاطعة، وبحثت عنه زوجته بيدها في احتجاج، وفتحتْ عينيْها بكسل فرأته على مبعدة خطوة طويلة من يدها الممدودة، ابتسمت، وقلبت رأسها ثم عادت وغفت. وقال لهما:


لقد خيّبتماني.


جاءه الصوتان من أسافل رئتيه:- قلنا لك إنا لن نضمن شيئا.


: هذا ظلم.


استأنفا:- لن تظفر بشيء ما دمت محاصرا برعبك وذنبك.


: كيف؟


قالا:- عدْ إلى منزلك، وعش حياتَك، وابقَ وفيّا، وستعثر عليها في أحلامك ذات يوم.


: ولكنها تنتظرني الآن في البيت، لتهاجمني بشراسة.


قالا:- عد إلى فسحة المنزل، اغسل وجهك، وادخل بابتسامة، وعبّر عن حبّك.


**


أخذه الحقد رهينة لديه، وصاح بقهر: أنا محروم. قال موسى:- لماذا لا تقتنع بمنفذ الحبّ وحده؟ أجابه: لأنني لا أؤمن بأن لكل عضو وظيفة محددة في الحبّ، كل الأطراف وكل الحواس يجب أن تجوس وتصول وتجول في أي مكان، وحيثما تشاء.


قال محمد:- استعصي على كل ألوان الحرية وتمردي.


وقال موسى:- ألهذا تشتهي لعقَ مسام حبيبتك؟


رد بصراحة: نعم.


سأله مجددا:- ماذا تحب فيها بالضبط؟


أجاب: صوتها وهي تقول أهلا يغريني بالتهامها، وعندما تكون مستيقظة للتو فإن حبالها الصوتيّة تتعثر في أنوثتها قبل أن تصل، وعندما أتكلم تنصت، ثم إنها عرضت عليّ كل ما تملك لتشتيت ضائقتي.


دمدم محمد:- إنك حسناء عندها الحسن مترف.


قال موسى:- وماذا أيضا؟


: وكانت في بعض الأحيان تحنو عليّ كأمّ.


همس موسى:- هذه امرأة كريمة، لا تستحق منك محاولة الاستحواذ عليها أو التفكير في لعقها بلسانك.


بإذعان: أعترف أني لا أستحقّ كرمها، ولذلك لن أعود إلى التربص بها.


تابع موسى:- لكنْ كيف غزت قلبك؟


أجاب: لهذا قصة غريبة: عرفت امرأة قبلها، ولما حاصرتني زوجتي لأعترف باسمها جرى اسم هذه الأخيرة على لساني بدلا من الأولى، وهكذا اكتشفتُ أني وقعت في حبّها!


قال الشاعر:- مرحى، أن نحيا بصدق أو لا نكون.


وقال المنفيّ:- أنت تحترف تغيير المسارات.


: الدين أحلّ أربعاً.


رد عليه قائلا: الدين لا يؤذي ولا يؤذى به.


وقال الشاعر: ولا يخون ولا يخان به.


وشعر برئته اليسرى تضيق كأنما تعتصرها قبضة قوية، وخاطب موسى المنفي قائلا:


اتركني أتنفس.


قال بقسوة: والأولى؟ من أوقعك فيها؟


رد بإذعان: استسلامي، وحرف الجيم والراء في فمها، وذراعها التي تلمع كلؤلؤة، وجلستها على مقاعد الشاطئ كالموناليزا وهي تشرب الكابتشينو بالكريمة.


ازداد ضغط قبضته على الرئة وهو يضيف:- وماذا أيضا؟


: ووشْوَشَتُها، وجريان أنوثتها عندما تكون مستيقظة من النوم.


سألاه:- ما قصتك مع أصوات المستيقظات من النوم؟


أجاب: أسمعها فتتدفق ينابيعي.


**


تخلّى موسى المنفي عن التشبث برئته المضغوطة، ثم جعل يمسح ظاهرها بيده مسحا رفيقاً، وهمس من داخل جوفه:


- عد إلى بيتِك قبل أن تهبّ عاصفة الصيف.


: نحن في موسم الربيع وأنت تتحدث عن الصيف؟


أجابه:- الصيف قادم.


: ظننت أنه جاء منذ شهر، إلا أنّ السحاب تجمع، وأورقت الأشجار الجافّة، وسالت الأودية، وعاد اعتدال الجو، وزرعت الحكومة أزهار الربيع على الأرصفة.


أجابه:- ستنتظر حتى ينقضّ على ربيعك قيظٌ ضرغام، فيتّقد الزجاج، وتركل الجنادب الحصا (وبرز الآن أمامه وهو يربت على رأس الجندب البرتقاليّ الذي اعترضه في بداية رحلته)، وتجفّ فسحة دارك، وعندها ستموت الزهور، وتعجز عن العودة.


: هل تحاول أن تقوم مقام ضميري؟


أجابه:- ربما.


: إن كان أسودَ فلا أمل فيه.


أجابه:- هل رأيت كيف تصبح الفحمة حمراء إذا توقدت.


: ولكنني أريد استعادة لوني!


أجابه:- أغلق عينيك وافتحهما.


: وكيف ذلك؟


أجابه:- لا تسأل عن الكيفيّة، فهي مجهولة.


: ولكن أصبع قدمي تؤلمني، سبابة رجلي اليسرى.


أجابه:- كانت تؤلمك لأنك كنت تمشي، لكنك الآن مثل من يطير أو يسبح.


وقال الشاعر:- حينها تعرف حجم الوطن، حينها لا يعرفك الوهن.


**


إنه الآن أمام مغسلته، وغسل وجهه بماء بارد، وتقطر الماء على صدره وبطنه وعبر من فوق عانته، وسال من فخذيه حتى تخلل أصابعه وتندّى به البلاط، وسقطت على كتفه ذبابة، تركها تسقط وراقبها وهي تجري مع الماء، جذبها تيار الماء إلى فوّهة المصرف الخارجي، فتح الباب ولحق بها وهي تسيل إلى الوادي في مسارب شقها الماء قديماً، وظل يتبعها حتى طمرها الوحل. وهنا هتف موسى من داخله:


- كم كان عمرها؟


: بضعة أيام.


رد عليه:- أكثر بقليل، ولكن ما الفرق.


: مسكينة.


رد المنفيّ:- لكنها لم تنشغل بالمخاوف والمطامع.


وأضاف الشاعر:- ولم تعرف طعم الذنب ولا الهزيمة.


واستأنف موسى:- أنت أقصر منها عمرا.


وأكد محمد:- الكون حدث عابر، لحظة.

**

وفي الغرفة المشغولة بالزوجين، كانَ كلّ ما بلغته أطرافهما مبعثراً، والفراشُ غارق في بركة من العرق وروائح اللعاب، وكأنما تخلفت هذه الفوضى عن معركة حبّ هوجاء، المروحة تتحرّك باعتياد، ومرآة الدولاب تعكس تقلباتهما، برتابة مطمئنّة وغير مباليَة، ومربّعات السجاد القاسية تترك آثارها منطبعة على خدّ الرجل الخامد في رقدته، بعيدا عن مضجعه مسافة ذراعيْن.

**

تمت

Thursday, September 22, 2005

ملف الشعر الهولندي.........ترجمة مهدي النفري


ملف الشعر الهولندي
ترجمة مهدي النِّفَري(1)

Hans Andreus
ألقصيده الأولى
البحث عن كلمة لنا أصبح صعبا
كل الكلمات ألقديمه ماعادت تنفع
وما اكتبه لايتعدى محاولة اللحاق بالبدء
الصفحات تحترق في الكتب
الخوف يمتلكني كالآخرين
أن افعل مثلهم
وأُردِد
نحن هنا
هنا
أتعبني التكرار
جسدي فقد الشعور بالألم
ماعدتُ وجسدي متوافقين
لاحدود تجمعنا
لكني أود القول
بأنني لستُ كالآخرين
هكذا أحادثُ نفسي
هذا أنا
قطعة نار
من هذه الأرض
شمس
وفضاء
كل ذاك ....هو أنا
مع كل تلك الحماقه
لااملك الشجاعة بإخبار الأخر
لااملك الشجاعة بأخبارهم بان الحب والسعادة
تزيدهم حظا
أيها الناس
ماعدت احتمل أن تَعِدُوني بينكم
..............................................
ألقصيده ألثانيه
إلى نهار الغد
قبل نهار الغد
إذا حضر موتي
أخبر ألأشجار
كم من الحب أكنهُ لكِ
أخبر الريح
تلك التي تسلقت الأشجار
أو تلك التي سقطت من ألأغصان
كم من الحب أكنه لك
اخبر الطفل
فهو يفهم مايكفي
اخبر الحيوان
تكفي نظراته
اخبر البيوت والحجر
اخبر ألمدينه
اخبرهم
كم من الحب أكنه لك
لكن
لكن لاتقولها لإنسان
سوف لن يصدقك
سوف لن يصدق أحدا إن هناك رجل لأمراه واحده
سوف لن يصدقوا كم من الحب أكنه لك
......................
ولد الشاعر في امستردام1926 .كتب الشعر والقصة والمقالات الصحفية ومارس أيضا ألكتابه للأطفال
تنقل بين أمستردام وروما وباريس.من مؤلفاته
Muziek voor kijkdieren (1951)
De ronde kant van de aarde (gedichten bij tekeningen van Karel Appel) (1952)
Italië (tekeningen van Lucebert) (1952)
De taal der dieren (1953)
Schilderkunst (1954)
Het explosieve uur (1955)
Empedocles de Ander (prozagedicht) (1955)
Tweespraak (met Simon Vinkenoog) (1956)
Misschien (1956)
Variaties op een afscheid (1956)
وكتب الأطفال منها
De reis van Langbaard de Twaalfde (1956)
Stel je voor (1957)
De kikado (1958)
En toen... (1960)
Tjirp de krekel (1961)
Het grote boek vol dierenverhalen (1962)
Henry de filmhond (1963)
Kinderverhalen (1963)
Viermaal J en Janus (kinderboekenweekgschenk 1963)
De verhalen van meester Pompelmoes (later uitgegeven als 'Meester Pompelmoes en de geleerde kat') (1964)
توفي الشاعر عام 1977
.........................
Paul snoek
قصر من الهواء
رغبتي
أن أتغير
في صخره ....
نمله
أو نبتة خشخاش
كلمات الخالق
أصبحت قصرا من الهواء
رغبتي
أن أقص السقف وألفه بالورق
أن اطوي الغرفة
بصحف رطبه
أن أضع على الحيطان أغلفة موسيقى
بوجوه مضحكه
النوافذ اصبغها
بمعدن من حبر
داخل مفتاحي سوف يسكن الحمام والفضة ألقديمه
قبل أن أتغير
في حجره
حيوان
أو عقرب ساعة
كلمات الخالق
أصبحت قصرا من الهواء
لأني حاضرا بين يدان طريتان من
مُكتْشِف

..................
ألقصيده الثانية
جورجيا
كل مالم استطع
من العالم
نسيانه
تركته بين يدي البحر
لون القتلى في الحروب
كل معدات الكره
البحر الأسود
ليس جريحا اسود اللون
لكن صمت ماءه
مازال يترك وبقوه زينته
بين يدي المساء
غنت الريح
أغاني جامعي محصول الشاي
إن النهار يستجدي السعادة
إن حيوان الأرض المقدس
يُرفضُ أن يذبح
وإن قوة الإنسان بذرة طفل من السلام
..........................
ولد الشاعر عام 1933
اصدر دواوين ودراسات عديده اخترنا منها
Archipel (1954)
Noodbrug (1955)
Tussen vel en vlees (1956)
Aardrijkskunde. Antropografische suite voor naïeve meisjes (1956)
Ik rook een vredespijp (1957)
De heilige gedichten 1956-1958 (1959)
Hercules (1960)
Richelieu (1961)
Soldatenbrieven (proza en poëzie in briefvorm, met H.C. Pernath) (1961)
Renaissance (keuze uit eigen werk) (1963)
Nostradamus (1963)
De zwarte muze (1967)
Gedichten 1954-1968 (1969)
Gedrichten. Gedokumenteerde aktualiteitspoëzie en/of alternatieve griezelgedichten (1971)
Gedichten voor Maria Magdalena (1971)
توفي الشاعر عام1981
........................................
1.مهدي ألنفري
شاعر عراقي يقيم في هولندا

Monday, September 05, 2005

نبي التشكيل العربي...........الكاتب عبدالواحد الانصاري



طفق مهنّا يكتب: "دخلت وأنا جائع، وخرجت شبعانَ، أشرقت الشمس على طفل وليد وغربت على أناسٍ يدفنون ميّتاً، ناموا ليلا، واستيقظوا فنام آخرون، في الروث رائحة من البخور وفي البخور نفثة من الروث، وأنا الآن غيري أمس، وبرغم ذلك قد أتكرر بلا نهاية".
نظر إلى ما كتبه وأحسّ بالرضا لكنه لم يملك الشجاعة ليغلّفه ويرسله إلى الجريدة، وانخرط في متاهة من استبدال المشاهد والألفاظ بعضَها ببعض، فبدلا من الشبعان أدخل الحب والكراهية، وبدلا من الروث جاء برائحة التفاح. ومضى يغيّر ويمسح ويكتب ثم يعدل ويمسح ويكتب، إلى أنْ نسيَ الفكرة الأساسيّة التي فتح لها قوس الموضوع، وأضنته محاولة التذكر فترك ما في يده وهم بإطفاء الأنوار لينام، فقد كان الوقت سحَراً، وعندها طُرِق الباب. وفتحه، فتقدمَ من الظلمة رجل له هندام حارس أمن، أسمر، وله جبهة لمّاعة، وكلماته محصورة في الأوامر كما سترون:
- تنحّ عن طريقي، وخّر.
وعبر حارس الأمن إلى رواق العمارة الذي نحتت فيه شقق العزّاب عن اليمين والشمال، وانتشرت فيه روائح البول الملبّد، حاول مهنّا أن يهرب، ولكن قوة الرجل طاغية، وتصرفاته مخيفة، وتنبئ عن ذاتٍ مسيطرة، اتّجه بلا تردد إلى أوراق مهنّا وكأنما هو مطلع على الغيب، رفعها أمامه لحظة ثم ألقى بها على الطاولة في استهتار، وسطت يده على دورق الماء فشرب ما فيه بعدوانيّة، وألقى به على الأرض فتهشّم، ثم عقد يديه أعلى صدره، وتسلسلت بعد ذلك الأوامر التي غيّرت المسار الفني لمهنّا؛ قال الحارس بحزم: - سأعود إليك غدا في هذا الوقت، أحضر قلم رصاص وتلاوين مائية وزيتيّة ونماذج للوحات رسم.
أغلق مهنّا الباب ورتّب ما تبعثر وتخلص مما تهشّم، ووفى الحارس بوعيده فجاء غداً في وقت السحَر، شمّر عن ساعديْه وضرب جبهة مهنّا براحته، وأمره برسم ما كتبه على أوراق الرسم، وأراد مهنّا أن يرسم أشكالا فضربه الرجل الأسمر مرّة أخرى، واستمرّ يحاول الرسم وفي كل مرّة توجّه له في جبهته ضربة مؤلمة، وينظر في عيني الحارس وفي جبهته فلا يرى إلا لمعانَ الحزم وسياط الوعيد. حدّد له موعدا يوميّاً صارما لا يتقدم ولا يتأخر عن وقت السحَر، يحاول فيه الرسم ويُضرَبُ في رأسه كضرب العبيد، وصار بعد ذلك يعرف الموعد المحدد ويسمع الخطو على بلاط الممشى والحذاء الأسود اللامع يضرب الأرض بقسوة، فيفتح الباب قبل أن تمسّه أصابعه، وقلّما تخلّف عن ذلك. وأخيرا وضع يده على أسلوب جديد في الرسم: يكتب القصّة مشتتة كما تجيء، ثم يحوّل كلماتها إلى أرقام أبجدية بهذا الأسلوب الخاص: أبجد = 10، هوز= 18، وهنا كفّ حارس الأمن عن ضربه، وصار يدندن ويحرك قدمه طربا، وتولّى إعداد الشاي بنفسه وتأليف النكات والطُّرف لتلميذه المجدّ. هذا الاستحسان أصاب مهنّا بعدوى الحماسة، فابتكر لنفسه أوضاعا واثقة وصار يرسم ما يريد كتابته بالأرقام الأبجديّة، ويكبر الخط ويصغره ويلوّنه بحسب صبغة الكلمة، ويجري عمليات حسابيّة غير مضبوطة، ويسجل النتائج أفقية أو رأسيّة أو مائلة، بالطريقة التي يمليها عليه شعوره بجرم الكلمة ومعناها والعاطفة التي تنبثق منها، ثم تحوّلت الأرقام بعد ذلك في ذهنه إلى ذاكرة بديلة للحروف، وتصرّم شهر كامل من الإشراف المستمرّ أنفق فيه مهنّا مرتبه على اللوحات والألوان، وشعّت فيه غرفته بروائح الموادّ المستخدمة، واسودّت رؤوس أصابعه، إلا أن هذه الفترة أكسبته حبا جما لما كان يجبره عليه الخوف في بداياته، وعرف طعم الأمان والرضا والمفهوم الحقيقي للنشوة، وانبجست من دماغه ترانيم وتعبيرات رقميّة ما كانت تخطر له ببال، وما كان هو نفسه ليصدق أن دماغه الكليل سيتفتق عنها، وذات مرّة طلع الفجر وأشرقت الشمس بعده ولم يأتِ حارس الأمن؛ وحاول مهنّا أن يتخلص من بوادر الإحباط المحدقة به فانهمك في تجربته، وأرسل منها نماذج إلى الصحيفة، فتبنّتها بالقبول، وتفشّى صيتها كريح عاتية، ولم تمضِ أشهرٌ إلا وشهرتها تضرب القلاع النائمة وتهدمها. ونسي مهنّا كل معاناته وكل ماضيه البئيس، أقيمت له معارض داخلية وأخرى في العالم العربي ثم في روما وباريس ونيويورك، وأحرز سبقا مرموقاً لم يحققه عربيّ قطّ، وذكر اسمه في كل الصحف ومحطات التلفزة، بمناسبة وبلا مناسبة. وتسأله المذيعات وعارضات الأزياء وعمالقة الدنيا عن السرّ في إبداعه فيجيب بتثاقلٍ سخيّ:
- السر يكمن في الحظ، أنا امرؤ محظوظ فقط.
وإذا أراد أصدقاؤه الجدد أن يتصنعوا الضحك سألوه:
- من أين تعلمت أسلوبك.
فيجيبهم هذه المرّة بتفكّه:
-تعلمته من حارس أمن أسمر، يلف على وسطه حزاما ثقيلا، ويصفعني ليلَ نهارَ كي أتعلم.
كان مطمئنّا إلى اعترافاته لأن كلماتها لم تكن سوى مثارٍ للتقليد والتندّر، ولم تؤخذ بجدّيةٍ قطّ، ولطالما استدل بها المتزلفون وأرباع المثقفين ليبرهنوا على تواضع العبقرية وعبقريّة التواضع. تهاطلت العزائم الثقافية على رأس مهنّا حتى أثقلته، ودُعيَ إلى حفلات خاصة ورحلات سياحية في جزر آسيا الاستوائيّة، ووطأ بقدمه المواطئ التي وطأها مجانين الفنّ؛ فشرب مثل موديلياني ونكح مثل غوغان وتاجر مثل بيكاسو وهرطق مثل كل ملاعين الفنّ وأطلق عليه لقب نبي التشكيل العربي. وبينما هو يقضي قيلولته -على بعد مترين من المسبح في أحد فنادق أوربّا، وظهره ملموم في منشفة زهرية، وهو يستنشق الهواء النديّ مغمض العينين، ويتمتّع بذكريات متع البارحة- سمع خطوات بطيئة لا تخطئها ذاكرته، فتح عينيه والتفت فأبصر الحذاء الأسود اللامع يضرب البلاط الفاخر، والسترة السوداء تحيط بجذعه عوضا عن زي الحراسة، حاول مهنا أن ينهض ويضع شبشبه في قدميه ليستقبل الأستاذ (هكذا كان يسميه)، إلا أنّ انفعاله أصابه بتشنّج طفيف، وتصلبت عضلة فخذه. اقترب الأستاذ باسما، وأبدى لطفا كبيرا وهو يمس كتف مهنّا برفق، ثم نطق:
- جاءت بك أرقامي الأبجديّة إلى سقف العالم ورمتني في الشارع، منحتك الأسلوب والثقة والأمان، ولم أمنح نفسي شيئاً.
شحب مهنّا لهذا التداعي الذي يشبه الملامة، وكاد يقضي خوفا، لأنه يعرف حقيقة القدرات الهائلة التي يتمتع بها حارسه القديم، لكنّ الأستاذ واصلَ ملاطفته للكتف وأضاف بسحنة كامدة:
- هوّن عليك، لا تستعجل، جئتك لترد إليّ الجميل.
أفرخ روع مهنّا، وتحررت عضلاته، وانصرمت المفاهمة عن اتفاق يسير: دفعة مقدمّة للأستاذ، شاملة لتذكرة العودة، ونسبة خمسة في المائة من كل لوحة يبيعها مهنّا في المستقبل، مع تحمل تكلفة التأمين الصحي السنويّ لحضرته.

Friday, July 15, 2005

اشياء للذباب فقط ..........مهدي النفري


يابني ادم
نحن كائنات نحمل ماتحملون
نحلم كما تحلمون
الفرق الوحيد بيننا
انكم ميتون
بينما نحن احياء

Monday, July 11, 2005

اشياء لاتهم الموتى..........مهدي النفري


أشياء لاتهم إلا الموتى
أشياء وأخرى تمر بي
تلسعني كيومي الماضي دون رجعه
نوافذ اتبع ظلها
يداهمني ورق متطاير يستغيث من نكبة الذباب
أشياء اتلوها وأخرى
أضمد بها نسياني
اشطب تواريخ اصدقاءي الموتى
هل يموت الأموات؟
هلا اشتهت السماء لونا آخر لها؟
نستيقظ مع صباحات ليس لنا فيها سوى الرماد
ونمض
نطرق أبوابا لاتتسع لغير الريح
هل من مأوى للجالس داخلي؟
هل من خطيئة اقترفها تعيدني إلى ألجنه؟
اشياء وأخرى
اصطحبها معي
وأعود لأبدا ألدوره من جديد
..........................
مهدي ألنفري


Sunday, July 10, 2005


ايها الحلم
ايها العاشق
الجالس بين ضفتي عينيك
ايتها المدن الكبيرة بفراشاتها
حان لنا جميعا ان نتعلم الطيران داخلنا
ان نكتب قصائد تشتهي السلام

Monday, June 27, 2005

رسائل إلى الوطن ............مهدي النفري


رساله إلى الوطن
لعلي لن اضيف جديدا لك
بهذه الكلمات التي ساتجنب بها كل الفلسفات
فليس بين الحبيب وحبيبه سوى الحب
لن اطرق باب الشعر فانت اكبر من كل القصائد والدووايين
ايها الوطن
يامساحة حلمنا الكبيره
ايها الروح التي تمنحنا دوام الحياة
ايها الام التي لاتهدا ولاتمل من حب ابنائها
ايها الوطن
جئتك اليوم
شاكيا لك غربتي التي طالت
شاكيا لك الايام وكاهلها
ايها الوطن
هل يرد الحبيب محبوبه خائبا؟
ام هل يعود فارغا من طرق باب من ارضعته؟
ايها الوطن
اعطني الامل
مد يدك لي
آن الآوان لتقول لي عد
ايها الوطن